توحدت جهود شركات الدفاع البريطانية لتطوير أول نموذج ذكاء اصطناعي سيادي لبريطانيا، مما يمثل خطوة مهمة في مسعى بريطانيا لضمان عدم اعتماد القدرة العسكرية المستقبلية على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأجنبية.
تجمع هذه المبادرة، المعروفة باسم لومين سوفرين / Lumen Sovereign، بين شركات بي أيه إي سيستمز / BAE Systems و ليوناردو يو كي / Leonardo UK و ثاليس يو كي / Thales UK و بابكوك أنترناشونال / Babcock International وكينيتيك / QinetiQ و بي تي / BT و أتش أس بي سي / HSBC و مجموعة لويدز المصرفية / Lloyds Banking Group ونات ويست / NatWest ومجموعة بورصة لندن / London Stock Exchange Group و تليفونكا للتكنولوجيا / Telefonica Tech UK&I و بي دبليو سي / PwC ومعهد ألان تورنيج / The Alan Turing Institute وشركاء آخرين لتصميم نموذج ذكاء اصطناعي متقدم سيتم بناؤه وتدريبه واستضافته بالكامل داخل بريطانيا.
ستستخدم المبادرة موارد الحوسبة من إيسامبارد / Isambard-AI، أحد أقوى أجهزة الكمبيوتر العملاقة في أوروبا، من خلال برنامج الذكاء الاصطناعي السيادي التابع للحكومة والذي تبلغ قيمته 500 مليون جنيه إسترليني، مع نشره في نهاية عام 2026.
رغم أن المبادرة تقودها شركة الذكاء الاصطناعي البريطانية كوساين / Cosine، إلا أن أهميته تتجاوز قطاع التكنولوجيا بكثير.
فبالنسبة لصناعة الدفاع البريطانية، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي السيادي بشكل متزايد على أنه قدرة استراتيجية إلى جانب الطائرات المقاتلة المتقدمة، والدفاع السيبراني، والاتصالات الآمنة، لا سيما مع ازدياد اعتماد العمليات العسكرية على الأنظمة المستقلة وتحليل البيانات السريع.
تعكس مبادرة الصناعة تحولاً جوهرياً يحدث بالفعل داخل وزارة الدفاع.
أوضحت بريطانيا أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دورًا محوريًا في مستقبل الدفاع البريطاني.
وفي وقت سابق من هذا العام، أعلن وزير الدفاع السابق جون هيلي عن إنشاء فرقة عمل “التسليم السريع للذكاء الاصطناعي” / RAID، وهي منظمة جديدة أُنشئت لتسريع إدخال الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء القوات المسلحة.
وقد كُلفت فرقة العمل، التي ترفع تقاريرها مباشرة إلى رئيس أركان الدفاع، بنقل قدرات الذكاء الاصطناعي من المختبرات إلى الاستخدام في الخطوط الأمامية بوتيرة أسرع بكثير من برامج الشراء التقليدية.
إلى جانب نظام التسليم السريع للذكاء الاصطناعي، حددت وزارة الدفاع البريطانية العديد من الأولويات التشغيلية التي من المتوقع أن يكون للذكاء الاصطناعي فيها أكبر الأثر، بما في ذلك تحليل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط التشغيلي الأسرع، ودعم اتخاذ القرارات في البيئات المتنازع عليها وتطوير أنظمة مستقلة قادرة على العمل جنبًا إلى جنب مع الأفراد العسكريين.
الرسالة الصادرة من الحكومة البريطانية واضحة: ستعتمد الميزة العسكرية المستقبلية على البرمجيات والبيانات بقدر اعتمادها على السفن والطائرات والمركبات المدرعة. ويبدو أن مبادرة لومين سوفرين مصممة لدعم هذه الرؤية.
على عكس منصات الذكاء الاصطناعي التجارية التي تعتمد على البنية التحتية السحابية الموزعة عالميًا، يتم تصميم لومين سوفرين للعمل بالكامل على البنية التحتية البريطانية وداخل بيئات آمنة للغاية ومعزولة عن الإنترنت حيث تظل الشبكات الحساسة معزولة فعليًا عن الإنترنت.
يُعد هذا التمييز ذا أهمية خاصة بالنسبة للمنظمات الدفاعية التي تتعامل مع المعلومات السرية.
يجادل مدير قسم التكنولوجيا في بي إيه إي سيستمز روبرت ميريويذر بأن السيادة تتجاوز بكثير مجرد الاستقلال التكنولوجي.
وكتب ميريويذر في مقال حديث نشرته شركة بي إيه إي سيستمز: “بصفتنا أكبر شركة دفاعية في بريطانيا، فإننا ندعم بقوة تطوير نموذج “الذكاء الاصطناعي الرائد” السيادي، وهو نظام ذكاء اصطناعي متطور يتم بناؤه واستضافته بالكامل على الأراضي البريطانية. يتعلق هذا الأمر بالمرونة والأمن والريادة الوطنية”.
قال ميريويذر إن القدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي محلياً ستضمن احتفاظ بريطانيا بإمكانية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم حتى في ظل أصعب الظروف.
وكتب ميريويذر قائلاً: “إذا انقطعت الاتصالات الدولية، مثل روابط الأقمار الصناعية أو الكابلات البحرية، فإن وجود نظام ذكاء اصطناعي على أرض الوطن يعني أننا سنظل قادرين على الوصول إلى قدراتنا في مجال الذكاء الاصطناعي”، مضيفاً أن الذكاء الاصطناعي أصبح ذا أهمية متزايدة للحماية الإلكترونية، وتحليل بيانات أجهزة الاستشعار، ودعم مهام الأمن القومي.
وقال ميريويذر أيضاً إن النموذج الذي يتم بناؤه في بريطانيا يمكن تكييفه بسرعة أكبر لتلبية المتطلبات التشغيلية المتطورة مع ضمان بقاء بيانات الدفاع الحساسة تحت السيادة البريطانية.
وأكد ميريويذر أنه بالإضافة إلى الأمن، فإن تطوير الذكاء الاصطناعي المتطور محلياً من شأنه أن يعزز الخبرة الوطنية، ويخلق وظائف ذات مهارات عالية، ويساعد في بناء ما يصفه بأنه “نظام بيئي نابض بالحياة وذو سيادة للذكاء الاصطناعي.”
إن اتساع نطاق المنظمات التي تدعم مبادرة لومين سوفرين يؤكد كيف يتم النظر إلى الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد على أنه بنية تحتية وطنية وليس مجرد مشروع تكنولوجيا رقمية آخر.
على الرغم من أن شركات الدفاع تُشكّل جوهر المبادرة، إلا أن التحالف يضم أيضاً مؤسسات من قطاعات البنوك والاتصالات والخدمات المالية والبحث العلمي، مما يعكس إدراكاً أوسع بأن الذكاء الاصطناعي السيادي سيدعم قطاعات متعددة مسؤولة عن البنية التحتية الحيوية للمملكة المتحدة. بالنسبة لشركة كوساين، فإن الأساس المنطقي واضح.
قال الرئيس التنفيذي لكوساين أليستر بولين: “الذكاء الاصطناعي هو أهم تقنية في جيلنا. وتدرك الشركات بشكل متزايد مخاطر الاعتماد الكلي على مزودي خدمات أجانب في هذا المجال. فالاعتماد على مورد واحد يخلق مخاطر أمنية، ومخاطر تبعية، ومخاطر ارتفاع التكاليف.”
على عكس معظم نماذج اللغة الكبيرة التي تم تطويرها للاستخدام العام، يتم تصميم لومين سوفرين حول احتياجات الصناعات الخاضعة لتنظيمات صارمة حيث يكون الأمن وإمكانية التتبع والمرونة بنفس أهمية الأداء.
سيدعم هذا النموذج أكثر من 30 مسار عمل متخصص، بما في ذلك الأمن السيبراني، واختبارات الخصوم، وهندسة البرمجيات، والتحقيقات المالية، ومراجعة الوثائق القانونية، وإدارة الرعاية الصحية. ومن المتوقع أن تكون التطبيقات الدفاعية من بين أولوياته الأولى، لا سيما في البيئات التي لا يمكن فيها استخدام منصات الذكاء الاصطناعي التجارية بسبب القيود الأمنية.
إحدى سمات النموذج المميزة هي قدرته على العمل مع لغات البرمجة القديمة مثل أدا / Ada وأسيمبلي / Assembly وفورتران / Fortran، وهي لغات لا تزال تدعم العديد من أنظمة الدفاع والفضاء ولكنها غالبًا ما تكون ضعيفة الدعم من قبل مساعدي البرمجة بالذكاء الاصطناعي السائدين.
من خلال الجمع بين الخبرة في بيئات البرمجيات القديمة والحديثة، يعتقد المطورون أن النموذج يمكن أن يساعد المؤسسات على تحديث الأنظمة الحيوية دون التخلي عن عقود من التعليمات البرمجية الحالية.
سيتم تدريب النموذج على جهاز إيسامبارد ، أحد أقوى الحواسيب العملاقة في أوروبا، وذلك باستخدام موارد حاسوبية مقدمة ضمن برنامج الذكاء الاصطناعي السيادي الحكومي. ومن المتوقع إطلاقه في نهاية عام 2026.
وتقول الشركات الداعمة للبرنامج إن فوائده تتجاوز بكثير تطوير البرمجيات.
بالنسبة لشركة بي إيه إي سيستمز، يمثل المشروع فرصة لتعزيز كل من الابتكار والقاعدة الصناعية بريطانيا.
وقال ميريويذر: “تقدم لومين سوفرين مثالًا مشجعًا للابتكار في الممارسة العملية – تطبيق التكنولوجيا المتطورة على القطاعات الحيوية مع تعزيز قدرة الذكاء الاصطناعي السيادية في المملكة المتحدة.”
وأضاف ميريويذر: “إن العمل مع شركات ناشئة مثل كوساين يمثل فرصة مهمة لدعم الابتكار في جميع أنحاء منظومة الدفاع، مع وضع شركة بي إيه إي سيستمز في طليعة التبني. ويساعد هذا النهج التعاوني على رعاية قاعدة صناعية بريطانية أكثر ديناميكية ومرونة.”
وتعتقد شركة بابكوك / Babcock أيضاً أن الذكاء الاصطناعي الذي يتم تطويره داخل بريطانيا يمكنه تلبية متطلبات البرامج العسكرية بشكل أفضل.
قال المدير العالمي للذكاء الاصطناعي والبيانات في شركة بابكوك بيتر باسارو إن الشركة تتطلع إلى المساعدة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المصممة خصيصًا للعمليات الدفاعية.
وأضاف باسارو: “نحن متحمسون للانضمام إلى مبادرة لومين سوفرين والتعاون مع كوساين لتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي السيادية لبريطانيا. معًا، يمكننا ابتكار وتصميم نماذج ذكاء اصطناعي مصممة خصيصًا للبيئات الدفاعية المعقدة للغاية التي نعمل فيها.”
على الرغم من أن الدفاع قد برز كأحد المحركات الرئيسية للبرنامج، إلا أن التحالف يمتد إلى ما هو أبعد من هذا القطاع.
انضمت المؤسسات المالية وشركات الاتصالات وشركات التكنولوجيا ومراكز الأبحاث إلى هذه المبادرة للمساهمة في صياغة النموذج بما يتناسب مع احتياجات القطاعات التي تعمل في ظل متطلبات تنظيمية وأمنية صارمة.
ويهدف هذا النهج التعاوني إلى إنتاج منصة ذكاء اصطناعي قادرة على دعم البنية التحتية الوطنية الحيوية، فضلاً عن دعم الجهات الحكومية والعسكرية.
حتى وقت قريب، كان النقاش في بريطانيا حول الذكاء الاصطناعي يركز بشكل كبير على التنظيم والأخلاقيات والاستثمار. أما الآن، فقد تحول النقاش نحو التركيز على القدرات.
وتتركز سياسة الحكومة بشكل متزايد على تسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الدفاع، في حين تستثمر الصناعة في البنية التحتية اللازمة لدعم هذا الطموح.
وبدلاً من الاعتماد حصرياً على التكنولوجيا التي تم تطويرها في الخارج، تحاول الشركات الآن بناء نماذج يمكن تدريبها ونشرها وتحديثها تحت سيطرة بريطانيا.
لأول مرة، تتلاقى استراتيجية الحكومة ومتطلبات الدفاع والاستثمارات الصناعية حول هدف مشترك يتمثل في بناء قدرة سيادية للذكاء الاصطناعي قادرة على تعزيز العمليات العسكرية، وحماية البنية التحتية الوطنية الحيوية، وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.
وإذا تكللت هذه المبادرة بالنجاح، فقد تصبح عنصراً أساسياً في استراتيجية الدفاع والصناعة البريطانية المستقبلية، بدلاً من كونها مجرد تقدم آخر في مجال الذكاء الاصطناعي.
المصدر: https://www.adsadvance.co.uk/uk-defence-leaders-launch-sovereign-ai/

